تشهد المنظومة المصرفية في تونس وضعًا دقيقًا ومعقّدًا، تعكسه الأرقام الرسمية والمعطيات الاقتصادية الأخيرة، والتي تكشف عن تحدّيات حقيقية تواجه البنوك وقدرتها على تمويل الاقتصاد الوطني، خاصة في ظلّ ارتفاع غير مسبوق في حجم القروض المتعثّرة.
فبحسب معطيات اقتصادية حديثة، لا يوفّر البنك المركزي التونسي سوى حوالي 30% من السيولة المتداولة داخل النظام المصرفي، في حين تتكفّل البنوك التجارية بتأمين قرابة 70% من هذه السيولة. هذا التوازن، وفق خبراء، يحدّ من قدرة السياسة النقدية على التأثير المباشر في تمويل الاقتصاد ودعم النشاط الاستثماري.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي التونسي المقيم بأستراليا العربي بن بوهالي، في تدوينة تحليلية، أنّ النظام المصرفي التجاري في تونس بات يحقّق الجزء الأكبر من أرباحه من الاستثمار في سندات الخزينة، بدل توجيه التمويلات نحو إقراض القطاع الخاص، وهو ما ينعكس سلبًا على ديناميكية الاقتصاد.
وأضاف بن بوهالي أنّ الحكومة التونسية والمؤسسات العمومية المملوكة للدولة تستنزف جزءًا هامًا من السيولة المتوفّرة لدى البنك المركزي والبنوك التجارية، وهو ما يؤدّي عمليًا إلى ما يُعرف بـ«إزاحة القطاع الخاص»، أي تقليص فرص نفاذه إلى التمويل البنكي، خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة.
وفي ظلّ هذا الوضع، كشفت مصادر مصرفية أنّ قدرة البنوك التجارية على إقراض القطاع الخاص أصبحت محدودة للغاية. وأفادت نفس المصادر بأنّ الرؤساء التنفيذيين لمختلف البنوك أبلغوا محافظ البنك المركزي، فتحي نوري، قبل نحو أسبوعين، بارتفاع نسبة القروض المتعثّرة إلى 15.2% خلال سنة 2025.
وتعني هذه النسبة أنّ حجم القروض التي يواجه أصحابها صعوبات في السداد تجاوز 19 مليار دينار من إجمالي الالتزامات، مقابل نسبة لم تتجاوز 12.6% سنة 2022، ما يعكس تدهورًا واضحًا في جودة المحفظة الائتمانية خلال فترة قصيرة.
وأوضحت المصادر ذاتها أنّ البنوك أصبحت تتجنّب تحمّل مخاطر إضافية في الإقراض، خاصة في ظلّ ما يعانيه القطاع الإنتاجي منذ سنوات من صعوبات هيكلية، أثّرت بشكل مباشر في قدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها المالية، وهو ما انعكس بدوره على جودة الأصول البنكية.
وفي تأكيد رسمي لهذا التوجّه، أشار تقرير صادر عن البنك المركزي التونسي إلى أنّ السنتين الماليتين 2024 و2025 شهدتا استمرار تدهور جودة الأصول في القطاع المصرفي للعام الثالث على التوالي، مرجعًا ذلك إلى السياق الاقتصادي الصعب الذي تمرّ به البلاد، وما يرافقه من ضغوط مالية وتباطؤ في النشاط الاقتصادي.
