اعتبر الخبير الاقتصادي الدولي العربي بن بوهالي أنّ قرار البنك المركزي التونسي خفض سعر الفائدة بـ50 نقطة أساس، رغم أهميّته، يبقى غير كافٍ لوحده لدفع عجلة النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة في تونس، خاصة في أفق سنة 2026، داعيًا إلى اعتماد مقاربة أشمل تقوم على حزمة متكاملة من أدوات السياسة النقدية، لا الاكتفاء بسعر الفائدة فقط.
وأوضح بن بوهالي أنّ سعر الفائدة بين البنوك (تونيبور – TUNIBOR) لا يزال في مستوى مرتفع نسبيًا، إذ يناهز 9.21%، في حين يبلغ سعر الفائدة لليلة واحدة 8%، وهو ما يعني، حسب تقديره، أنّ تأثير البنك المركزي يظلّ محصورًا أساسًا في أسعار الفائدة قصيرة الأجل، دون أن ينعكس بشكل فعلي على تمويل الاستثمار أو دعم المؤسسات المنتجة على المدى المتوسط والطويل.
وأشار الخبير إلى أنّ هذا الواقع يحدّ من قدرة السياسة النقدية الحالية على تحفيز الاستثمار الخاص وخلق ديناميكية اقتصادية حقيقية، معتبرًا أنّ الاقتصاد التونسي يحتاج إلى أدوات إضافية أكثر نجاعة وجرأة.
وفي هذا السياق، دعا بن بوهالي البنك المركزي التونسي إلى التفكير في اعتماد سياسة استهداف التضخم، إلى جانب إدارة مؤشر سعر الصرف المرجّح بالتجارة للدينار التونسي، على غرار ما تعتمده دول مثل سنغافورة والصين، وهو ما من شأنه، حسب رأيه، تحقيق قدر أكبر من استقرار الأسعار والتحكّم في معدلات التضخم.
كما اقترح اللجوء إلى اتفاقيات مقايضة عملات مع كل من الجزائر والصين، بهدف الحدّ من العجز التجاري، ودعم احتياطيات النقد الأجنبي، وتخفيف الضغط على ميزان المدفوعات.
وبخصوص قرار البنك المركزي الأخير القاضي بخفض سعر الفائدة الرئيسي إلى 7%، أوضح بن بوهالي أنّ هذا القرار يعكس إدراك المؤسسة النقدية لضعف الأداء الاقتصادي، خاصة في ظل تسجيل غياب شبه تام للنمو خلال بعض فصول سنة 2025.
وأضاف أنّ هذا الضعف يتزامن مع ارتفاع معدل البطالة إلى 15.4%، وبلوغ بطالة الشباب حوالي 40%، في مقابل تراجع معدل التضخم إلى 4.9%، وانخفاض أسعار السلع والطاقة على المستوى العالمي، وهو ما كان من الممكن استغلاله بشكل أفضل لدعم النشاط الاقتصادي.
وبيّن الخبير أنّ نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي، التي لم تتجاوز 2.4% خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025، تُعدّ من بين الأضعف في القارة الإفريقية، خاصة مع تسجيل تراجع الإنتاج الصناعي بـ9%، وركود الصادرات، إلى جانب ضعف الاستثمار العمومي وانكماش القطاع المالي.
وفي تحذير واضح، نبّه بن بوهالي إلى أنّ تأثير خفض سعر الفائدة سيظل محدودًا ما دامت البنوك التجارية تفضّل توجيه أموالها نحو الاستثمار في سندات الخزينة بدل تمويل القطاع الخاص، إضافة إلى ارتفاع نسبة القروض المتعثرة إلى 15.2% سنة 2025، أي ما يفوق 19 مليار دينار، وفق المعطيات التي أُبلغ بها محافظ البنك المركزي.
وأكد الخبير أنّ من بين الحلول الممكنة، التدخل المباشر للبنك المركزي لمعالجة اختلالات التمويل في القطاعات الحيوية، موضحًا إمكانية شراء ديون ديوان الحبوب من البنك الوطني الفلاحي، ثم إعادة توجيه التمويل عبر قروض بفائدة منخفضة لفائدة الفلاحين، بما يساعد على زيادة الإنتاج الغذائي والحدّ من التضخم الغذائي.
كما أشار إلى إمكانية قيام البنك المركزي بشراء الديون المتعثرة لقطاع الفنادق، وتوفير سيولة إضافية لـ الشركة التونسية للبنك، ما من شأنه تمكينها من إعادة توجيه التمويل نحو القطاع الخاص ودعم الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، شدّد بن بوهالي على أهمية التنسيق بين البنك المركزي ووزارة المالية، خاصة عبر تمكين شركات الكهرباء والغاز والأنشطة البترولية من قروض منخفضة الفائدة، بهدف تخفيف حجم ديونها، وهو ما سينعكس مباشرة على خفض كلفة الطاقة وتقليص الضغط التضخمي على المستهلك.
واعتبر الخبير أنّ هذه الإجراءات، إلى جانب إصلاح السياسة الجبائية وتخفيف العبء الضريبي على المؤسسات، تمثّل شروطًا أساسية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، وبلوغ نسبة نمو في حدود 3% بحلول سنة 2026، بما يساهم في إنعاش الاقتصاد وخلق فرص شغل جديدة.
