توجُّهات الصحة لسنة 2027: تعزيز الوقاية وتقريب الخدمات الصحية..

 

يُعدّ تعزيز الوقاية والأمن الصحي وتحسين جودة الخدمات وتقليص الفوارق بين الجهات، إلى جانب تسريع التحوّل الرقمي ودعم الصناعة الدوائية الوطنية وتطوير السياحة العلاجيّة، من أبرز التوجّهات التي تقوم عليها استراتيجيّة مُهمّة الصحة ضمن مشروع ميزانيّة الدولة لسنة 2027.

وتُعرض هذه التوجّهات خلال جلسة تعقدها لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة، بالاشتراك مع لجنة الخدمات والتنمية الاجتماعية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، للاستماع إلى وزير الصحة مصطفى الفرجاني بخصوص مهمة الصحة من مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027.

وتستند استراتيجية الوزارة إلى أربعة محاور رئيسية تهدف إلى بناء منظومة صحية عادلة ومرنة ومستدامة، تضمن النفاذ إلى الرعاية الصحية لجميع المواطنين، مع الاستجابة للتحولات الديموغرافية والوبائية والمناخية.

تعزيز الوقاية والأمن الصحي

يرتكز المحور الأوّل على تعزيز الصحة العامة وتطوير آليات الوقاية والاستعداد للمخاطر الصحية، من خلال إرساء نظام معلوماتي موحد يربط بين المعطيات الصحية البشرية والحيوانية والبيئية، بما يدعم الترصد الوبائي والإنذار المبكر والاستجابة السريعة للطوارئ.

ويتضمّن البرنامج تطوير قدرات المخابر المرجعية والجهوية وتعزيز إمكاناتها الفنية والتجهيزية، إلى جانب تحسين الاستعداد لمواجهة الطوارئ الصحية وتطوير آليات مراقبة المخاطر البيولوجية والبيئية.

كما تشمل الأولويات مقاومة الأمراض السارية وغير السارية، وتطوير برامج التلقيح والكشف المبكر عن الأمراض المزمنة والسرطانات، فضلا عن مقاومة المضادات الحيوية والتوقي من الأمراض المرتبطة بالتلوث والتغيرات المناخية.

وفي مجال الصحة النفسية، تتجه الوزارة إلى تطوير خدمات علاج الإدمان وتوسيع نطاقها، وتعزيز برامج الوقاية والتوعية لدى الأطفال والشباب، وإنجاز دراسة وطنية حول الصحة النفسية، إلى جانب تطوير خدمات الدعم والإصغاء النفسي للمراهقين.

وتشمل الإجراءات أيضا تعزيز السلامة الصحية للأغذية، وتطوير الرقابة ومراقبة الملوثات، ورقمنة منظومة المراقبة، فضلا عن إرساء آليات للتواصل وإدارة المخاطر الصحية وتعزيز المشاركة المجتمعية.

تقريب الخدمات الصحية وتقليص الفوارق بين الجهات

يركز المحور الثاني على ضمان النفاذ العادل والآمن إلى الخدمات الصحية ذات الجودة، من خلال إعادة تنظيم الرعاية الصحية الأساسية وتطوير مراكز الصحة الأساسية وتحسين توزيع الموارد البشرية والتجهيزات، بما يضمن تقريب الخدمات من المواطنين والاستجابة لحاجياتهم الصحية.

وفي مجال البنية التحتية، يتضمن البرنامج مواصلة إنجاز وتطوير المؤسسات الاستشفائية بمختلف مستوياتها، وتهيئة وتعويض مراكز الصحة الأساسية، إلى جانب تدعيم التجهيزات الطبية وتحديث الخدمات الاستشفائية، خاصة في مجالات التشخيص والإنعاش والعلاج بالأشعة.

وتعمل الوزارة على تحسين خدمات الاستعجالي والتكفل بالحالات الحرجة، وتعزيز التدخلات الطبية العاجلة والنقل الطبي، من خلال إحداث وحدات متنقلة للإسعاف والإنعاش ودعم تجهيزات أقسام الاستعجالي وأسرة الإنعاش.

ومن جهة أخرى، تسعى الوزارة إلى ضمان استمرارية توفر الأدوية الأساسية والمواد الصحية، خاصة الأدوية الموجهة لمرضى السكري وارتفاع ضغط الدم، فضلا عن تأمين التزود بالكواشف والأدوية الوقائية.

ويشمل هذا المحور أيضا تحسين توزيع الإطارات الصحية بين الجهات والحد من هجرة الكفاءات، وتطوير التكوين الأساسي والمستمر وإدراج اختصاصات جديدة في المجالين الطبي وشبه الطبي، بما يستجيب للتحولات التي يشهدها القطاع.

تسريع التحوّل الرقمي وتطوير الخدمات الصحية

ويمثّل التحوّل الرقمي المحور الثالث من استراتيجية مهمة الصحة، من خلال تطوير نظام معلوماتي متكامل يربط مختلف مستويات الرعاية الصحية، ومواصلة رقمنة الملفات الطبية، خاصة بمراكز الصحة الأساسية والمستشفيات المحلية وأقسام الاستعجالي.

كما يتضمن البرنامج رقمنة مسار صحة الأم والطفل، وتطوير السجلات الصحية الوطنية، وتحسين تبادل المعطيات بين المؤسسات الصحية، إلى جانب رقمنة الأرشيف والخدمات الإدارية.

وفي هذا الإطار، تعمل الوزارة على توسيع الخدمات الرقمية بما يتيح للمواطنين النفاذ إلى ملفاتهم الطبية وحجز المواعيد والاطلاع على نتائج التحاليل وإتمام عمليات الخلاص عن بعد.

كما سيتم توسيع استخدام المنصات الرقمية المخصصة لتسريع التكفل بالحالات الصحية الطارئة، وتعزيز خدمات الطب عن بعد لتشمل اختصاصات طبية مختلفة، بما يساهم في تقريب الخدمات المتخصصة من سكان المناطق الداخلية وتقليص الفوارق الجهوية.

ويتضمن البرنامج كذلك توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الطبية ومعالجة المعطيات الصحية، إلى جانب توفير 5500 حاسوب جديد وربط 2137 مركز صحة بالشبكة الرقمية، وتحديث التجهيزات الإعلامية وتعزيز الأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية.

دعم الصناعة الدوائية وتطوير السياحة العلاجية

ويتمثل المحور الرابع في جعل قطاع الصحة رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال دعم السيادة الدوائية وتعزيز الصناعة الصيدلانية الوطنية وتطوير تصدير الخدمات الصحية.

وفي هذا السياق، تتجه الوزارة إلى تعزيز حوكمة المؤسسات المعنية بالدواء ومواد الصحة، وتطوير آليات تحديد الأسعار ومتابعة المخزون الاستراتيجي، إلى جانب مواصلة برنامج إنقاذ المؤسسة الوطنية للصناعات الصيدلية وتحسين حوكمتها وتوازناتها المالية.

وفي مجال السياحة العلاجية والاستشفائية، تشير المعطيات المقدمة إلى استقبال تونس نحو 85 ألف مريض أجنبي، إلى جانب استقطاب حوالي 6 ملايين زائر سنويا للاستجمام والاسترخاء بالمياه، ينحدر 70% منهم من الدول الأوروبية. وتعكس هذه الأرقام الإمكانات التي يتيحها هذا القطاع لتطوير السياحة الصحية والاستشفائية وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني.

وفي هذا الإطار، تتضمن التوجهات تفعيل منظومة متابعة المرضى الأجانب، وتنظيم أول معرض دولي للصحة والسياحة العلاجية خلال أفريل 2027، إلى جانب تحسين ظروف استقبال المرضى الوافدين من الخارج.

كما تسعى الوزارة إلى تطوير الاستشفاء بالمياه وإدماجه ضمن الاختصاصات الطبية، والعمل على تطوير المناطق الاستشفائية وتعزيز جاذبية تونس في مجال الخدمات الصحية.

إصلاح الحوكمة والإطار القانوني

وعلى مستوى الحوكمة، تتجه الوزارة إلى تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، ودراسة إحداث آليات موحدة لشراء المستلزمات الطبية، إلى جانب تطوير التواصل مع المواطنين وتحسين متابعة الخدمات الصحية.

كما يتضمن البرنامج استكمال إعداد مجلة الصحة وتطوير الإطار القانوني بما يواكب التحولات الرقمية والتنظيمية التي يشهدها القطاع.

وتعكس هذه التوجهات سعي وزارة الصحة إلى بناء منظومة صحية أكثر نجاعة واستدامة، تقوم على الوقاية والاستجابة المبكرة للمخاطر، وتضمن توزيع الخدمات والموارد بصورة أكثر عدالة بين الجهات، مع تحسين جودة التكفل بالمرضى وتعزيز قدرات القطاع على مواجهة التحديات الصحية والاقتصادية، وتحويل السياحة العلاجية والاستشفاء بالمياه إلى رافد إضافي للتنمية.

بشرى السلامي 

أحدث أقدم