محدّدات انتخاب المرأة بالبرلمان التونسي وتحولات النظام الانتخابي

 

تناولت دراسة سوسيولوجية وسياسية أنجزها المرصد التونسي للسياسات العمومية (OTPP)، محدّدات انتخاب النساء في البرلمانات المتعاقبة في تونس منذ سنة 2011 حتى عام 2026، وذلك في ضوء التحولات الهيكلية والمؤسسية المتلاحقة التي عرفها النظام الانتخابي التونسي. 

وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن التمثيل البرلماني والسياسي للمرأة لا يمكن تفسيره عبر عامل قانوني أحادي أو معزول، بل هو محصلة تفاعل معقد متعدد المستويات يجمع بين المحدد المؤسسي والمحدد الحزبي، والمحددات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وضمن سياق سياسي متحول ومستمر في التغير.

وتتمثل إشكالية البحث الأساسية في تفسير الكيفية التي أسهم بها اعتماد نظام القائمات المغلقة المقترن بالتناصف، في الارتقاء الأولي الملحوظ لتمثيل النساء في المجالس النيابية الأولى، ثم تفسير التراجع اللاحق الحاد في هذا التمثيل بعد التخلي عن هذا النظام والتحول نحو الاقتراع على الأفراد. 

وتهدف الدراسة إلى بناء إطار تفسيري مركب يوضح تطور نسب تمثيل النساء خلال الانتخابات التشريعية لسنوات 2011 و2014 و2019 و2022، مع رصد دقيق للأوزان التفسيرية لكل محدد قانوني أو مجتمعي.

المنهجية والعينة المعتمدة

اعتمد البحث مقاربة منهجية تفسيرية متعددة المستويات، حيث جمعت الأدوات بين التحليل المقارن الزمني، والتحليل القانوني والمؤسسي للنصوص المنظمة للانتخابات، والتحليل الكمي للمعطيات الخاصة بالترشحات والنتائج الانتخابية التاريخية. وإلى جانب ذلك، تضمنت الدراسة بحثاً ميدانياً وطنياً وُجه إلى عينة طبقية ممثلة من 600 فرد من سكان تونس الكبرى خلال شهر فيفري 2026.

وأظهرت نتائج الدراسة بجلاء أن المحدد المؤسسي (الهندسة الانتخابية) كان العامل الأشد حسماً وتأثيراً في تحديد سقف إمكانات تمثيل المرأة في الفضاء البرلماني:

*مرحلة 2011–2019 (نظام القائمات المغلقة): أسهم نظام التمثيل النسبي بالقائمات المغلقة مع إقرار مبدأ التناصف الأفقي والعمودي والتناوب في رفع تاريخي لنسبة النساء داخل المجلس الوطني التأسيسي لتصل إلى 26.27% سنة 2011، ثم ارتفعت لتسجل ذروتها بنسبة 31.3% في مجلس نواب الشعب سنة 2014، قبل أن تتراجع طفيفاً إلى 24.4% في انتخابات سنة 2019 نتيجة تفتت المشهد الحزبي والسياسي.

*ما بعد سنة 2022 (نظام الاقتراع على الأفراد): أدى الانتقال المفاجئ إلى نظام الاقتراع على الأفراد في دورة 2022، وتفكيك آليات التمييز الإيجابي القانونية والإلزامية (تراجع شرط التناصف الفعلي في القائمات)، إلى تراجع حاد ومقلق في تمثيل النساء البرلماني، حيث هبطت النسبة لتستقر عند 15.6% فقط في مجلس نواب الشعب المنتخب. وتثبت الدراسة أن الأثر المؤسسي الإيجابي السابق للتناصف لم يكن قادراً على الاستدامة الذاتية بمجرد غياب النص الإلزامي، نظراً لأن الأحزاب السياسية والبيئة المحلية ظلت تتحكم في توجيه الموارد وترتيب المترشحين وإقصاء النساء ضمن دوائر انتخابية ذات حظوظ متفاوتة.

المحددات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسلوك الانتخابي

كشفت نتائج التحليلات الاستدلالية أن المحددات الهيكلية تؤثر بصورة مباشرة في فرص انتخاب النساء واستعدادهن الفعلي للترشح:

*المستوى التعليمي والوسط السكني: ارتبط التصويت لصالح المرأة إحصائياً بمتغيرات السن والمستوى التعليمي المرتفع والعيش في الوسط الحضري؛ إذ ترتفع نسبة قبول التصويت للمرأة ونسبة الترشح الفعلي في تونس العاصمة والمدن الكبرى (أريانة، سوسة، المنستير) مقارنة بالوسط الريفي أو المناطق الداخلية التي تشتد فيها وطأة القيود التقليدية.

*الاستعداد الذاتي والفجوة الهيكلية: أظهرت الدراسة أن الاستعداد الذاتي العام للمرأة التونسية للترشح لا يتجاوز 10.7%، مما يعكس فجوة عميقة وواضحة بين القبول المبدئي النظري لمشاركة المرأة وبين شروط تحققها الفعلي على أرض الواقع.

*ضعف الموارد والأعباء الاجتماعية: يمثل ضعف الموارد المالية الذاتية، وغياب التمويل العمومي أو الحزبي الموجه، وتضاعف كلفة المشاركة السياسية بالنسبة للمرأة، معوقات بنيوية تمنعها من خوض غمار الحملات الانتخابية، خاصة في ظل نظام انتخابي فردي يضعف فيه دور الوساطة الحزبية وآليات الدعم الجماعي والتمويلي المشترك.

مخرجات الدراسة

خلصت الدراسة إلى أن استدامة التمثيل السياسي الفعلي والمنصف للمرأة في تونس تقتضي عدم الاكتفاء بالمساواة المعيارية الشكلية أو الاكتفاء بالحياد القانوني السلبي وأن حماية المكتسبات الديمقراطية للمرأة تتطلب مراجعة شاملة للأطر القانونية عبر:

*إقرار آليات تصحيحية إلزامية جديدة تتلاءم مع طبيعة الأنظمة الانتخابية القائمة لضمان التناصف الفعلي.

*صياغة سياسات دعم مالي ولوجستي ورمزي موجهة ومخصصة للمترشحات لتقليص الفجوة الاقتصادية في الحملات الانتخابية.

*إصلاح ديمقراطي وبنيوي داخلي للأحزاب السياسية لضمان صعود النساء لمواقع القرار والترشيح الفعلي في الدوائر الانتخابية الرئيسية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم