العاملات الفلاحيات في تونس: عمل شاق.. وأرقام تكشف هشاشة

 

في الحقول التونسية، تمثل النساء أكثر من ثلث اليد العاملة الفلاحية الموسمية، لكن هذا الحضور لا يعكس واقعا منصفا، بل يكشف هشاشة اقتصادية عميقة.

فحسب معطيات منظمة الأغذية والزراعة (تقارير حول النوع الاجتماعي والفلاحة في تونس، 2019)، تشكل النساء حوالي 34.7% من العمال الموسميين في الفلاحة، ويساهمن بـ23.5% من إجمالي العمل الفلاحي (FAO 2019)، ورغم ذلك يشتغلن غالبا دون عقود وبأجور ضعيفة وفي ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من السلامة.

هذه الأرقام لا تقف عند حدود المشاركة، بل تمتد إلى طبيعة العمل ذاته: أجور غير مستقرة، ونقل عشوائي، وغياب شبه كلي للحماية الاجتماعية، ما يجعل آلاف النساء في مواجهة يومية مع الفقر والمخاطر.

رحلة العمل.. تبدأ بالخطر

قبل الوصول إلى الحقول، تبدأ معاناة العاملات مع النقل...شاحنات مكتظة، غياب شروط السلامة، وحوادث متكررة تحوّلت إلى أحد أبرز مظاهر الهشاشة.

نجاة (32 سنة، عاملة فلاحية):

 نركبوا واقفين في الكميونة.. كل يوم نخاف، أما ما عناش خيار..

هذه الرحلة اليومية تختصر واقعا أوسع: العمل ليس فقط مرهقا.. بل محفوف بالمخاطر منذ بدايته، والذاكرة تعود بنا إلى عديد حوادث المرور التي تتعرض لها العاملات الفلاحيات أثناء نقلهنّ على ظهر شاحنة تكتظّ بهن.

ويذكر أنّه تم تسجيل 88 حادثا جراء النقل العشوائي للعاملات الفلاحيات منذ سنة 2015.

وقد خلفت هذه الحوادث 65 ضحية و983 جريحا وجريحة بين عمَلَة وعاملات في القطاع الفلاحي.

أجور لا تكفي.. وحياة على الحافة

داخل الحقول، تتواصل المعاناة، حيث تؤكد منظمة الأغذية والزراعة (برامج الحماية الاجتماعية للفلاحات، 2021) أن العاملات الفلاحيات في تونس يشتغلن بأجور منخفضة وغير مستقرة، وغالبا ما يضطررن للعمل حتى في حالات المرض، بسبب غياب أي بديل اقتصادي.

حليمة (45 سنة): 

نخدم نهار كامل، وفي الآخر الأجرة ما تكفيش حتى للماكلة والدواء..

هنا، لا يتعلق الأمر فقط بضعف الدخل، بل بانعدام الاستقرار: دخل يومي لا يضمن الغد.

فجوة الأجور  

رغم سنوات العمل، تبقى الحماية الاجتماعية شبه غائبة، إذْ تشير منظمة الأغذية والزراعة (تقرير الحماية الاجتماعية في الأوساط الريفية، 2021) إلى أن عددا كبيرا من العاملات الفلاحيات لا يتمتعن بالتغطية الصحية أو التقاعد، بسبب تعقيدات إدارية وكلفة الانخراط وبعد مراكز الخدمات.

زينة (70 سنة):

"خدمت عمري الكل، في الفلاحة نهاري بين 20 دينارا و25 دينارا ونخلص بالأسبوع (...) الرجال معنا مثلا في موسم القنارية أجرة يومهم بين 30 دينارا و40 دينارا

رغم أن النساء يشتغلن جنبا إلى جنب مع الرجال في الحقول ذاتها، فإن الأجر لا يعكس هذا التساوي في الجهد.

ووفق معطيات منظمة الأغذية والزراعة (تقارير النوع الاجتماعي في تونس، 2019–2021)، تتقاضى العاملات الفلاحيات أجورا أقل من الرجال مقابل نفس الأعمال، في بعض الحالات بفارق قد يصل إلى 20% إلى 30%.

هذا الفارق لا يُبرَّر باختلاف في المهام بقدر ما يعكس واقعا متجذرا من عدم المساواة، حيث تُقيَّم أعمال النساء بأقل من قيمتها الفعلية، حتى داخل نفس القطاع ونفس الظروف.

على أرض الواقع، يتحول هذا الفارق إلى عبء يومي.. أجر أقل يعني قدرة أقل على تغطية الحاجيات الأساسية، وادخار شبه منعدم، وهشاشة أكبر أمام أي طارئ.

وفي دعم لشهادة زينة، حسنيّة (42 عاما) تقول:

نخدم كيف الراجل، يمكن أكثر.. أما في الآخر ناخذ أقل.. وكي نتكلم يقولولي هذا هو السوم

لا يقف تأثير فجوة الأجور عند الحاضر فقط، بل يمتد إلى المستقبل، حيث أن انخفاض الدخل يعني أيضا ضعف القدرة على الانخراط في أنظمة الحماية الاجتماعية، وبالتالي تقاعد هش أو منعدم.

وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة (تقارير الفجوة الاقتصادية، 2022) أن فجوة الأجور تمثل أحد أبرز أسباب استمرار الهشاشة الاقتصادية للنساء، خاصة في القطاعات غير المنظمة مثل الفلاحة.

يمكن القول إن فجوة الأجور في القطاع الفلاحي ليست مجرد رقم.. بل هي حلقة إضافية في سلسلة هشاشة تبدأ بأجر أقل، وتستمر في غياب الحماية، وتنتهي بانعدام الأمان الاقتصادي.

عبء مضاعف..داخل الحقل وخارجه

ولا تنتهي معاناة النساء عند حدود العمل المأجور.. حيث بيّنت هيئة الأمم المتحدة للمرأة (قاعدة بيانات النوع الاجتماعي، 2022)، أن النساء في تونس يقضين حوالي 21.9% من وقتهن في العمل غير المدفوع مقابل 2.7% فقط للرجال (UN Women، 2022)، ما يضاعف من هشاشتهن الاقتصادية ويقلّص فرص تحسين أوضاعهن. أي أن العاملة الفلاحية تعيش عبئا مزدوجا: عمل شاق في الحقول.. يتبعه عمل منزلي لا يُحتسب.

واقع يتطلب إصلاحا عاجلا

تكشف هذه المؤشرات أن الهشاشة الاقتصادية للعاملات الفلاحيات ليست حالة فردية، بل نتيجة منظومة كاملة: تشغيل غير منظم، غياب التغطية الاجتماعية، ضعف الأجور وانعدام النقل الآمن.

الجهود المعلنة لتحسين أوضاع النساء العاملات في المجال الفلاحي، لم تحدّ من الفجوة الكبيرة بين السياسات والواقع، فرغم سنّ القانون عدد 51 لسنة 2019 لتنظيم نقل العاملات الفلاحيات، وإصدار أمر ترتيبي سنة 2020 يضبط شروط السلامة، مازالت حوادث النقل العشوائي متواصلة، مخلفة عشرات الضحايا.

كما صدر في أكتوبر 2024 مرسوم رئاسي لإدماج العاملات في منظومة الحماية الاجتماعية، يشمل التغطية الصحية والتقاعد والتعويض عن حوادث الشغل.

غير أن هذه النصوص القانونية، ورغم أهميتها، لم تنعكس بعد، بشكل فعلي على واقع العاملات، حيث مازالت الهشاشة هي القاعدة، والقانون استثناء لا يصل إلى الجميع.

في تونس، تزرع العاملات الفلاحيات الأرض كل يوم.. لكنهن لا يحصدن سوى التعب، وبين أرقام المنظمات الدولية وشهادات الواقع، تتأكد حقيقة واحدة: الهشاشة الاقتصادية لهؤلاء النساء ليست قدرا، بل قضية عدالة مؤجلة تنتظر حلولا تُعيد لعملهن قيمته، ولحياتهن كرامتها.

غفران العكرمي  موزاييك اف ام

إرسال تعليق

أحدث أقدم